العيني

239

عمدة القاري

بعينها أسوة للغرماء في الموت بخلاف التفليس ، وبه قال أحمد . وفي ( التوضيح ) مقتضى الحديث رجوعه أي : رجوع صاحب السلعة ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث ، وهو الجديد من قول الشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، وخالف في القديم ، فقال : يضارب بباقي الثمن فقط ، واستدلت الشافعية بقوله : من أدرك ماله بعينه على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل ، وإلاَّ فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً أو في صفة من صفاتها فهو أسوة الغرماء . وبسط بعض الشافعية الكلام هنا ، وجعله على وجوه : الأول : لا بد في الحديث من اضمار ولم يكن البائع قبض ثمنها لأنه إذا قبضه فلا رجوع له فيه إجماعاً . الثاني : خصص مالك والشافعي في قول قديم له رجوعه في العين بما إذا لم يكن قبض من ثمنها شيئاً ، فإن قبض بعضه صار في بقيته أسوة الغرماء ، وقد قلنا آنفاً : إن الشافعي لم يفرق في الجديد بين قبض بعض الثمن وبين عدم قبضه لعموم الحديث . الثالث : استدل الشافعي وأحمد برواية عمر بن خلدة عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أفلس أو مكات فوجد رجل متاعه . . . الحديث رواه أبو داود وغيره على التسوية بين حالتي الإفلاس حياً وميتاً أن لصاحب السلعة الرجوع ، وفرق مالك بينهما ، وقال : هو في حالة الموت أسوة الغرماء . الرابع : استدل بقوله : أدرك ماله بعينه ، على أنها إذا هلكت أو أخرجها عن ملكه ببيع أو هبة أو عتق أو نحوه أنه لا يرجع فيها ، لأنها ليست على يد المشتري . الخامس : استدل به على أن التصرف الذي لا يزيل الملك لا يبطل حق الرجوع للبائع كالتدبير ، واستيلاد أم الولد ، وهو كذلك بالنسبة إلى المدبر عند من يجوز بيعه ، وهو الصحيح ، وأما بالنسبة إلى أم الولد فليس له الرجوع فيها على الصواب . قال شيخنا : وأما ما وقع في فتاوى النووي من أنه يرجع فهو غلط ، وقد عبَّر هو في ( تصحيح التنبيه ) بأن الصواب أنه لا يرجع . السادس : ما المراد بالمفلس المذكور في الحديث وفي قول الفقهاء ؟ قال الرافعي نقلاً عن الأئمة : إن المفلس من عليه ديون لا تفي بماله ، واعترض عليه بأمرين : أحدهما : أنه لا بد من تقييد ذلك بضرب الحاكم الحجر عليه ، فإن من هذه حاله ولم يضرب عليه الحجر يصح بيعه وشراؤه بلا خلاف . والثاني : أنه تتقيد الديون بديون العباد ، أما ديون الله تعالى كالزكاة ونحوها ، فإنه لا يضرب عليه الحجر بعجز ماله عنها إذا كان ماله يفي بديون العباد ، كما جزم به الرافعي في كتاب ( الإيمان ) . السابع : قوله : ماله بعينه ، وفي رواية الترمذي وغيره : فوجد الرجل سلعته عنده بعينها ، دليل على أنه لا يختص ذلك بالبيع ، بل لو أقرضه دراهم ثم أفلس فوجد الرجل الدراهم بعينها فهو أحق بها من بقية الغرماء ، لأن السلعة لغةً المتاع . قاله الجوهري ، وفي بعض طرقه في ( الصحيح ) أيضاً : فوجد الرجل متاعه أو ماله . الثامن : لو أجره شيئاً بمنجل وتفلس المستأجر قبل فيض الأجرة أنه يفسخ الإجارة ويرجع بالعين المستأجرة ، وقد صرح به الرافعي ، قال ابن دقيق العيد : وإدراجه تحت لفظ الحديث متوقف على المنافع ، هل يطلق عليها اسم المتاع والمال ؟ قال : وإطلاق المال عليها أقوى . قلت : يطلق عليها اسم المتاع لغة ، قال الجوهري : المتاع السلعة ، والمتاع المنفعة . التاسع : يدخل تحت ظاهر الحديث ما التزم في ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان ، ثم أفلس ، والأجرة بيده قائمة ، فإنه يثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة ، قاله ابن دقيق العيد . العاشر : فيه حجة لأحد الوجهين أن المفلس المضروب عليه الحجر يحل الديون المؤجلة عليه ، والصحيح أنه لا يحل . الحادي عشر : قد يستدل به لأصح الوجهين : أن الغرماء إذا قدموا صاحب العين القائمة بثمنها لم يسقط حقه من الرجوع في العين . الثاني عشر : قد يستدل به على أن لصاحب العين الاستبداد في الرجوع في عينه ، وهو أحد الوجهين ، وقيل : ليس ذلك إلاَّ بالحاكم . الثالث عشر : قد يستدل به لأصح الوجهين أنه : لو امتنع المشتري من تسليم الثمن أو هرب ، أو امتنع الوارث من تسليم الثمن وحجر الحاكم عليه أنه لصاحب العين الرجوع إلى حقه لقوله : أيما امرئ أفلس ، فهذا مفهوم شرط وصفة ، فيقتضي أنه لا رجوع في حق غير المفلس . الرابع عشر : استدل به لأصح الوجهين أنه إذا باعه عبدين فتلف أحدهما رجع في الباقي بحصته ، وقيل : يرجع فيه بكل الثمن . الخامس عشر : استدل به لأحد الوجهين أنه إذا وجد رب السلعة سلعته عند المفلس بعد أن خرجت : ثم عادت إليه بغير عوض أنه يرجع كالميراث والهبة ، وهو الذي صححه الرافعي في ( الشرح الصغير ) ، وصحح النووي من زياداته في ( الروضة ) عدم الرجوع لأنه تلقاه من مالك آخر غير